الرئيسية / مقالات / حكايتي عن نهر أمريكا الكبير: المسيسيبي النهر العظيم الجامح.

حكايتي عن نهر أمريكا الكبير: المسيسيبي النهر العظيم الجامح.

لــــم يجانب الصواب السكان الأصليين لأمريكا الشمالية حينما أطلقوا على هذا النهر غير المروض اسم المسيسيبي وتعني في لغة هؤلاء الذين لقبوا خطأ بالهنود الحمر –”النهر العظيم”.
لقد كان هنود التشيبيوا أوائل الذي استوطنوا بعضا من ضفاف هذا النهر الضخم وعاينوا عن قرب غضبه الذي يتحول إلى سيل يجرف كل من وجده في طريقه.
إنه أكبر نهر في أمريكا الشمالية ورابع أطول نهر في العالم،يجري من شمال القارة إلى جنوبها بطول 6275 كلمتر،وبحوض مائي يضم روافدا كبرى لا تقل عنه طولا ولا ضخامة، مثل أنهار الميسوري وكولورادو وأوهايو وغيرهم كثير.
يتراءى لك الميسيسيبي من أعلى أشبه بشجرة ممتدة بأغصانها في معظم أراضي الولايات الأمريكية المتحدة وحينما يتحد مع كل روافده يبدو جذع تلك الشجرة وقد امتد جنوبا نحو خليج المكسيك حيث يكون دلتاه وينتهي مساره منصهرا في بحر الظلمات.
يحكي المتتبعون لسير النهر الجامح أن أولى القطرات التي تتدفق من منبعه ببحيرة”إتاسكا” بولاية منيسوتا” أنها تستغرق في سفرها من الزمن ثلاثة أشهر كاملة حتى تصل للمصب بخليج المكسيك.
هذا هو نهر الحياة بأمريكا،وأحد أكبر الأنظمة النهرية الصالحة للملاحة في العالم،تنوع بيولوجي مدهش،وعطاء للأرض الأمريكية كبير حيث يجعل من سهولها الأكثر خصوبة في العالم،وتعيش على مياهه أعداد هائلة من الأسماك كذئب البحر،والسلمون المرقط والشبوط وأنواع أخرى لا حصر لها.
كما يعتبر النهر الجامح موطنا للطيور المائية والأخرى المهاجرة التي اتخذت من أعاليه إلى دلتاه مسارا لترحالها واستقرارها،متخذة من غاباته وأدغاله وأشجاره العملاقة كأشجار الحور القطني والبلوط والصفصفاف موطنا لها ولأعشاشها.
تعتمد عل مياه الميسيسيبي حوالي اثنان وثلاثون ولاية أمريكية،ومقاطعتين كنديتين،وتصل نسبة الشحن لمزروعاته الصناعية والعلفية من القمح والشعير والشوفان حوالي نصف صادرات أمريكا الفلاحية،يتم ذلك عبر مدينة المصب:
-نيو أورليانز.
تلك المدينة التي قدر لها أن تعيش على وقع العواصف والفيضانات والأعاصير المدمرة، بعدما خطتها الطبيعة بخط أحمر يقابله الخطر..وحتى بعد أن أسسها الفرنسيين في أيار/ مايو من العام 1718 للميلاد،وأطلقوا عليها لقب ملكهم حينها “فيليب أورليان” لم تشأ العواصف إلا أن تحيط بهم،بعدما طردهم الإسبان منها وظلوا فيها حتى مطلع العام 1801 للميلاد.
عواصف الطبيعة سرعان ما ستتحول إلى عواصف هوجاء طبعت تاريخ المدينة حينما أضحت بعد شراءها من الفرنسيين كجرح غائر في حياة السود الأمريكيين،
بعدما صارت رمزا للعبودية وعشا آمنا لجماعات البيض الكارهين للسود،ولعلها كانت هي والولاية التي تنتمي إليها وهي لويزيانا آخر من أزالت عنها شعار العبودية من علمها بعد حاثة مقتل المواطن جورج فلويد على يد الشرطة البيض..
طبع المسيسبي المتوحش حياة سكانه الأصليين،عاشوا حياتهم هناك بسلم وسلام،معتمدين على خيراته للصيد والزراعة البسيطة،وممارسين لأنواع من التجارة الصامتة بين القبائل الهندية المنتشرة على حوضه الواسع.
ظل عهد السلام قائما إلى حدود قيام الكشوفات الجغرافية والتي أوصلت المستوطنين البيض إلى روافد المسيسيبي عبر قواربهم البخارية،حيث استخدموا النهر لاستكشاف المناطق الداخلية والروافد الشمالية المتعددة،وحينها ستختفي تلك الزوارق الطويلة والخفيفة للسكان الأصليين المعروفة باسم:
“الكانو”.
من هذا التاريخ ستبدأ حقبة السيطرة الأوربية على النهر وروافده،وستزدهر تجارة اعتمدت كليا على كائنات النهر الكثيرة ألا وهي:
-تجارة الفرو.
إنها التجارة التي طبعت المسيسيبي لقرون،وكان لها انعكاس صادم على التنوع الحيواني بالنهر العظيم،وستكون دافعا رئيسا لاستعمار كل القارة واقتسامها بين معمري إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا والروس السيبيريين.
المعروف أن تجارة الفرو على نهر أمريكا الكبير تشكلت منذ الفترة الكولومبية حينما وطئت أقدام الأوربيين أرض العالم الجديد.والمقصود بها تنظيم حملات واسعة قصد قنص الثدييات ذوات الدم البارد مثل الثعالب والقنادس وأخذ جلودها قصد صناعة الألبسة وبالخصوص المعاطف والقبعات …هي تجارة ضاربة في القدم كان يتعامل بها السكان الأصليين للمسيسيبي فيما بينهم بشكل متناغم مع الطبيعة ويحافظ على التنوع البيولوجي دون إلا أن قدم المستكشف الفرنسي “جاك كارتييه” في رحلاته الثلاث خلال القرن السادس عشر فكانت تلك المرحلة بداية لتجارة الفراء بين الأوربيين والسكان الأصليين.
وقد ازداد الطلب لدى الأوربيين على فراء القندس بالخصوص حيث استخدم في صناعة القبعات التي أضحت مظهرا للزينة فجمع التجار الفرنسيين ثروات هائلة ثم لحقهم الهولنديين والروس وأخيرا الإنجليز الذين جعلتهم هاته التجارة يسيطرون على معظم أمريكا الشمالية.
ومن تجارة الفراء سنقص حكايتنا عن “الكورور دي بوا” أو”عداؤوا الغابة” وقد أطلق هذا الاسم على قبيلة من الهنود الحمر كانوا يقدسون “حيوان القندس” ولما رأوا تلك الإبادة التي طالت هذا الحيوان المسكين بعد ظهور الغزاة الأوربيين اتخذوا من الغابات الكثيفة المحيطة بروافد الميسيسيبي ملجأ لهم وعملوا حينها على شن حرب ضد كل من يقوم بحملات القنص في المجال المجاور لهم.
وقد تزعمتهم امرأة شجاعة،لها قدرة فائقة على تسلق الأشجار الشاهقة،والغوص في مياه النهر لوقت طويل،وفوق ذلك كله كانت تتقن الرمي بالنبال في أي وضعية هي عليها.كان اسمهما”إيرواكي” تلك “المرأة-القندس” التي ابتكرت خطة ذكية استطاعت بفضلها تحقيق النصر لجماعتها لوقت طويل.
عملت إيروكامي على التخفي في جلد قضاعة كبيرة، ولما تبصر التجار الجشعين تظهر لهم نفسها من بعيد،كانت وهي تخاطر بروحها تعمل على استقطاب القناصين إلى الفخ المنصوب لهم وسط الغابة،وحينها يتحول الصياد إلى فريسة حيث تطبق جماعة عدائي الغابة على أعدائهم وأعداء القندس المسكين.
انتشرت قصة المرأة –القندس بعدما حكى عنها كثيرا التجار الناجين،وأضحت الغابة التي اتخذتها سكنا مجالا للرعب والخوف،لا يجرؤ عليها التجار إلا في حملة واسعة منظمة وبأسلحة نارية فتاكة،كانت حينها جماعة عدائي الغابة يذوبون في الأدغال كأنهم أشباح فلا يعثر لهم على أثر.وما هي إلا أن يهاجموا أعدائهم على حين غرة،وكثيرا ما قضوا على وفد كامل من الصيادين الغزاة،وبعدها فقط يتم الاستيلاء على معداتهم وأسلحتهم.
وحينها يتم تحرير القنادس الحية وإطلاقها مجددا في البرية،ثم يتم تنظيم طقس تعبدي حزنا على القنادس الهالكة ليتم دفنها حتى ترقد بسلام،وقد انتشرت قصة إيرواكي وشعبها في غابات النهر الشمالية،وتخوف التجار من الاقتراب في محيطها القاتل،وهذا كان له أثر السحر على تلك الغابة التي ازدهرت فيها القنادس من جديد،وعاشت في سلام لزمن طويل،بعدما حمتها المرأة-القندس من الإبادة حتى سميت تلك الرقعة من النهر ب:
-غابة القنادس.
وبعد حياة طويلة مليئة بالتضحيات فارقت المرأة-القندس الحياة، فدفنت قرب النهر بعدما ألبسها شعبها جلد القندس،هذا الكائن الذي عشقته حد العبادة،ودافعت عنه حتى عرفت باسمه.وقد ظلت تلك الغابة ملجأ لعدائي الغابة الذين كانوا يفضلون الزراعة وصيد الأسماك على تلك التجارة التي يمقتونها،عاشوا هناك لزمن طويل بعد رحيل إيرواكي ولم يجرأ أحد من تجار الفرو على الاقتراب،بل سرت شائعات تقول أن الأرواح تسكن هذا الجزء من الغابة وأن قنادس تلك المنطقة تركها أفضل من قنصها.
وهكذا ساهمت قصة المرأة-القندس في الحفاظ على القنادس وباقي الكائنات ذات الفراء السميك على مجودها بالمنطقة ونجت من الانقراض التام الذي شهدته مثيلاتها في مناطق واسعة من حوض النهر العظيم نتيجة الجشع الشديد لتجار الفراء،كل ذلك بفضل امرأة شجاعة وشعب قدس عناصر الطبيعة فحافظ على التوازن فيها.
بقلم إدريس النعيمي

عن أنباء 24

اقرأ أيضا

ياسين شادي ..مبدأ الحكامة الأمنية: المفهوم والمرجعية

يعتبر توفير الأمن من الوظائف الأساسية للدولة، إذ تشكل المؤسسات الأمنية في جل البلدان، سواء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *